أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
564
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
المجعول منهم القردة والخنازير العابدون الطاغوت شرّ مكانا من غيرهم من الكفرة الذين لم يجمعوا بين هذه الخصال الذميمة . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 61 إلى 65 ] وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ ( 61 ) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 62 ) لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 63 ) وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( 64 ) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 65 ) وقوله تعالى : وَإِذا جاؤُكُمْ : الضمير المرفوع لليهود المعاصرين ، فحينئذ لا بدّ من حذف مضاف أي : وإذا جاءكم ذريتهم أو نسلهم ؛ لأنّ أولئك المجعول منهم القردة والخنازير لم يجيئوا ، ويجوز ألّا يقدّر مضاف محذوف ، وذلك على أن يكون قوله « مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ » إلى آخره عبارة عن المخاطبين في قوله : « يا أهل الكتاب » وأنه ممّا وضع فيه الظاهر موضع المضمر ، وكأنه قيل : أنتم ، كذا قاله الشيخ « 1 » ، وفيه نظر فإنه لا بدّ من تقدير مضاف في قوله تعالى : « وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ » تقديره : وجعل من آبائكم أو أسلافكم أو من جنسكم ، لأن المعاصرين ليسوا مجعولا منهم بأعيانهم ، فسواء جعله ممّا ذكر أم لا ، لا بد من حذف مضاف . قوله تعالى : وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ هذه جملة حالية وفي العامل فيها وجهان : أحدهما : - وبه بدأ أبو البقاء - أنه « قالُوا » أي : قالوا كذا في حال دخولهم كفرة وخروجهم كفرة وفيه نظر ، إذ المعنى يأباه . والثاني : أنه « آمَنَّا » ، وهذا واضح أي : قالوا آمنّا في هذه الحال . و « قَدْ » في « وَقَدْ دَخَلُوا » « قَدْ خَرَجُوا » لتقريب الماضي من الحال . وقال الزمخشري « ولمعنى آخر وهو أنّ أمارات النفاق كانت لائحة عليهم فكان الرسول عليه السّلام متوقعا لإظهار اللّه تعالى ما كتموه ، فدخل حرف التوقع ، وهو متعلّق بقوله « قالُوا آمَنَّا » أي : قالوا ذلك وهذه حالهم » يعني بقوله : « وهو متعلّق » أي : والحال ، وقوة كلامه تعطي أنّ صاحب الحال وعاملها الجملة المحكيّة بالقول . و « بِالْكُفْرِ » متعلق بمحذوف لأنه حال من فاعل « دَخَلُوا » فهي حال من حال أي : دخلوا ملتبسين بالكفر أي : ومعهم الكفر كقولهم : خرج زيد بثيابه » وقراءة من قرأ : « تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ » « 2 » أي : وفيها الدهن ، ومنه ما أنشد الأصمعي :
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 520 ) . ( 2 ) سورة المؤمنون ، الآية ( 20 ) .